GOOD
 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قنديل أم هاشم " قراءة جديدة " ... د. جابر عصفور

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عاشق بحب
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 90
تاريخ التسجيل : 04/08/2008
العمر : 30
الموقع : http://s-love-m.yoo7.com

مُساهمةموضوع: قنديل أم هاشم " قراءة جديدة " ... د. جابر عصفور   الخميس أغسطس 07, 2008 3:32 am

قنديل أم هاشم.. قراءة جديدة



كتب يحيى حقي الكثير قبل (قنديل أم هاشم) وبعدها, ولكنها ظلت عمله الأكثر توهجا وجماهيرية بين بقية أعماله.
ها نحن اليوم - وفي ثنايا احتفالنا بمرور مائة عام على مولده - نسترجع أعماله الكثيرة الموزعة على القصة القصيرة التي كانت فنه الأثير, ومجال إنجازه الإبداعي الأول, جنبًا إلى جنب النقد الأدبي, والمقال الاجتماعي, والسيرة الذاتية, والكتابة الساخرة الباسمة, فتمر على ذاكرتنا - بعد استعانة بالمراجع - عناوين مجموعاته القصصية الاستثنائية التي تشمل (عنتر وجولييت) و(أم العواجز) و(دماء وطين), فضلا عن رواية (صح النوم) التي تقتحم باب الأليجوريا السياسية المناهضة لطبائع الاستبداد. والتي لم تنل حظها النقدي من الاهتمام اللازم, وأضف إلى ذلك كتابه الشهير (خطوات في النقد) الذي نرى فيه أصفى نموذج تطبيقي للناقد التأثري, أو التأثرية الموضوعية إذا جاز استخدام هذه العبارة المتناقضة ظاهريا. وإلى جوار ذلك كتبه التي تقترن بالبسمة الكاشفة والقائمة على المفارقة التي تبقى آثارها في العقل والوجدان, في أعمال من مثل (خلّيها على الله), و(فكرة فابتسامة) و(كناسة الدكان). وأخيرًا, ترجماته العديدة في المسرح والرواية وأدب الرحلة. وهي درس عالٍ في تقنيات الترجمة من حيث الحرص على دقة العبارة ووضوح المقصد الأصلي, وسلاسة الأسلوب الذي يعيد إنشاء الأصل المترجم دون أن يفارق روحه أو ملامحه الفارقة.
الغريب أن ذلك كله لا يطرأ على الخاطر للوهلة الأولى عند المثقفين - خاصة غير المختصين منهم - الذين إذا سألتهم عن يحيى حقي قالوا لك على الفور: صاحب (القنديل) أو كاتب (قنديل أم هاشم) كأن الرجل لم يبدع سواها, مع أن للرجل - فيما أرى - ما لا يقل عنها إبداعا, بل ما يفوقها في مجال القصة القصيرة أو الطويلة. ولاأزال أتصور أن النقد الأدبي لو اهتم اهتمامًا أكثر تركيزًا بأعمال يحيى حقي وكتاباته لتعدّلت صورة هذا المبدع الذي ترك لنا في مجال القصة القصيرة إنجازًا استثنائيًا, لم نكتشف آفاقه المتعددة الثرية بعد, خصوصًا من زاوية اللغة التي كان يحيى حقي يقدّسها إلى أبعد حد.
من الرواية إلى الفيلم
ولكن اللغة وحدها ليست سر الجماهيرية التي وصلت إليها (قنديل أم هاشم), هناك سبب أو أسباب أخرى بالقطع, تصوّرت لفترة أن سبب جماهيرية (قنديل أم هاشم) يرجع إلى أنها تحولت إلى فيلم شهير سنة 1968 , من إخراج كمال عطية, وقام بدور البطولة فيه الممثل القدير شكري سرحان, وكان معادلا إبداعيا لشخصية (إسماعيل) التي ترجع إلى جذور قروية, ولكن الفيلم - إن لم تخنّي الذاكرة - نجح بسبب شهرة الرواية بالدرجة الأولى.
وقد حاول يحيى حقي نفسه أن يفسر سر النجاح الساحق الذي حققته رواية (قنديل أم هاشم) ولاتزال تحققه, وذلك في السيرة الذاتية (وكان عنوانها: (أشجان عضو منتسب)) التي وضعها لتكون مقدمة أعماله الكاملة التي أشرف عليها المرحوم فؤاد دوارة, وأصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب في سنوات ازدهارها. وقد قال إنه أخذ اسم إسماعيل بطل الرواية من اسم صديق له يدعى إسماعيل كامل, كان آخر منصب شغله هو سفير مصر في الهند, فقد كان يمثل - في نظر يحيى حقي - محاولة المزاوجة الحقّة بين الشرق والغرب. ويمضي قائلا إن اسمه لا يكاد يذكر إلا ويذكر معه (قنديل أم هاشم) كأنه لم يكتب غيرها, وكان يضيق بذلك أحيانًا, ولكن كثيرين حدّثوه عنها واعترفوا بعمق تأثيرها في نفوسهم. ومنهم أديب يمني قال له: (لقد أحسست أنك تصفني حين أعود من القاهرة إلى اليمن). وقال له بائع كتب قديمة (مش القصة اللي فيها واد بياكل بفتيك في أوربا وأهله بياكلوا طعمية في مصر!!). ويكشف يحيى حقي السر بقوله: (حين أحاول البحث عن سبب قوة تأثير قنديل أم هاشم لا أجد ما أقوله سوى أنها خرجت من قلبي مباشرة كالرصاصة, وربما لهذا السبب استقرت في قلوب القرّاء بالطريقة نفسها).
والتبرير الذي يقدمه يحيى مقنع إلى حد كبير, فما خرج من القلب ذهب إلى القلب فيما يقول القدماء, والرواية التي خرجت من القلب مباشرة كالرصاصة, مشحونة المعاني والدلالات, بالغة التكثيف الذي يقول الكثير من الدلالات بأقل القليل من الكلمات, لابد أن تنجح في أن تنقل إلى مَن يقرأها بعض ما شعر به الكاتب من احتدام وتوتّر وتفجّر وتوّهج أثناء فعل الكتابة. ولكن المؤكد أن ما خرج من قلب يحيى حقي ما كان يخاطب كل هذه القلوب التي تأثرت بروايته, والعقول التي استجابت إليها, إلا لأنها لمست الأوتار الحسّاسة في هذه القلوب والعقول.
وأعتقد أن البعد الخاص بالعلاقة المتوترة بين الشرق والغرب ينطوي على سبب من الأسباب التي تجعل لرواية يحيى حقي جاذبيتها, خصوصا أن بطلها إسماعيل ينتسب إلى أصول زراعية هاجرت إلى القاهرة, وعاشت في حي (السيدة زينب) لأنه الحي الذي يصل بين الأسرة الزراعية الأصل وجذورها, وذلك عن طريق صنف التجارة التي اختارها والد إسماعيل الذي نراه في الرواية, وعن طريق الوافدين على السيدة (أم العواجز) من الذين يطلبون عونها في قضاء الحاجات. قادمين إليها من الريف, ومن الأحياء الفقيرة للمدينة, جالبين معهم عاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم ولهجاتهم. والنتيجة هي الجدارية التي يصنعها قلم الكاتب المقتدر الذي عاش طفولته الدالة التي أعيد إنتاجها بما أكسب الرواية حميمية خاصة في واقعيتها التي لا تتردد في استخدام العامية بالرغم من (حنبليتها) الدالة في استخدام تراكيب اللغة الفصحى وصياغاتها الأسلوبية.
هذه الواقعية الحميمة يشعر بها كل من يقرأ الرواية, ويكون على شيء من الألفة بالتاريخ الاجتماعي لسكان السيدة زينب, فالشيخ رجب - والد إسماعيل البطل - ترك قريته وقدم إلى القاهرة معه والده للتبرّك بزيارة آل البيت, ودفعه أبوه - في الزيارة الأولى لمسجد السيدة زينب - ليهوى معهم على عتبة المسجد الرخامية يرشقها بقبلاته, فينظر إليهما (أولاد البلد) باسمين لسذاجة هؤلاء القرويين, ورائحة اللبن والطين والحلبة تفوح من ثيابهم. وتجذب (السيدة زينب) الأب إليها, فيستقر في القاهرة سعيًا وراء الرزق, ويسكن بالقرب من حاميته.
نظرة على الشرائح الدنيا
ويبدأ إسماعيل خطوات التعليم المدني في المدارس الأميرية تعينه تربيته الدينية وأصله القروى, فيمتاز بالأدب والاتزان وتوقير معلميه, مع حشمة وكبر صبر. إن حرم التأنق لم تفته النظافة. وهو فوق ذلك أكثر رجولة وأقوم لسانا وأفصح نطقا من زملائه (المدلعين) أولاد أفندية المدينة المبتلين بالعجمة وعجز البيان, فتعلقت به الأسرة, كما تتعلق أسر الطبقة الوسطى الصغيرة بأبنائها الذين يظهرون تفوقا في التعليم, ويجسّدون حلم الأسرة في الارتقاء الطبقي الذي ظل التعليم المدني وسيلته الأولى لدى أسر الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى المصرية. ويظهر هذا التعلق في توقير إسماعيل, وتدليله, وتخصيص أطايب الطعام والشراب له. إذا جلس للمذاكرة خفت صوت الأب, وهو يتلو أوراده, إلى همس يكاد يكون ذوب حنان مرتعش, ومشت الأم على أطراف أصابعها, حتى فاطمة النبوية - بنت عم إسماعيل, اليتيمة أبًا وأمًا - تعلمت كيف تكف عن ثرثرتها, وتسكن أمامه في جلستها صامتة, تسهر معه كأن درسه درسها, متطلعة بعينيها المريضتين المحمرتي الأجفان, وتظل الأسرة كلها محيطة بإسماعيل الذي يذاكر إلى أن يأوي إلى فراشه, وعندئذ فحسب, تشعر الأسرة بأن يومها انقضى, وتبدأ تفكر فيما يلزمه في الغد. كما لو كانت كل حياتها وقفا على توفير راحته, ودفعه إلى طريق النجاح, فهو أمل الأسرة في مستقبل آخر, ينتقل بها اجتماعيًا وطبقيًا وثقافيًا.
وسنة بعد سنة ينجح إسماعيل, ويفوز بالأولوية, ويشارك الجيران بالفرحة.
ويقترح البعض على الشيخ رجب أن يذهب ابنه إلى أوربا, ويقبل الأب الذي لايزال يحلم بأن يرى ابنه طبيبًا, مدركًا أن هذا الحل سيكلفه من عشرة إلى خمسة عشر جنيهًا في الشهر, غير ما يلزم الابن في أول الأمر من نفقات الطريق وثياب تقيه من البرد. ويتوكل الأب على الله, وببركة أم العواجز, وضوء زيت القنديل الذي لا يفارق أسطر الرواية من أولها إلى آخرها. وينتقل إسماعيل إلى (بلاد برة).
لقاء الشرق والغرب
كانت (قنديل أم هاشم) تعبيرًا عن الآثار النفسية العاصفة, في وجدان المثقف العربي ووعيه, نتيجة لقاء الشرق بالغرب, وتفاعلات اللقاء داخل المثقف الذي لابد أن ينقسم على نفسه, انقسامه على ما جاء منه, وما ذهب إليه, وما عاد إليه في الوقت نفسه.
وبالرغم من أن إشكال العلاقة بين الشرق والغرب, من حيث هو تجربة, واحد في كل الأعمال الإبداعية التي تقاربه, من حيث هو موضوع, فإن المعالجات المختلفة التي تبدو بها ملامح الإشكال مغايرة في كل حالة, وحسب كل عمل إبداعي يجسّدها, ولكن الوحدة في البنائية للإشكال تفرض عناصر متكررة تظل ثابتة في كل عمل إبداعي من الأعمال الروائية التي تعالج مشكلة العلاقة بالآخر أو الصدام الحضاري بين الشرق والغرب. ويمكن أن أشير من هذه العناصر إلى اثنين أساسيين في دلالاتهما ووظائفهما البنائية داخل الأعمال الإبداعية.
العنصر الأول هو عنصر الرحلة التي هي انتقال في الزمان والمكان والوعي على السواء, والرحلة سفر, والسفر تحوّل وتغيّر, أو التحوّل والتغيّر يتم ما بين نقطة الانطلاق ونقطة الوصول في مستوى, كما يتم ما بين نقطة الوصول ونقطة العودة في مستوى ثان. وهناك, بالطبع, التناقض الواقع بين نقطة الابتداء في الرحلة, حيث التخلف المادي مقرون بالتخلف الفكري في نقطة الابتداء في الرحلة, والتقدم المادي مقرون بالتقدم المعنوي في نقطة الوصول, فالمسافة بينهما مسافة بين متعاديين, أو بين شاطئين لا يلتقيان, أولهما لا يعرف تخلّفه إلا بواسطة مَن يقوم بتمثيله في الرحلة, ويرى واقع هذا التخلف في مرآة الآخر, أو في مرآة العالم الجديد الذي ينتقل إليه ويصيبه بالصدمة والدهشة والحيرة, فارضًا عليه أن يختار - على نحو شعوري - ما بين الضفة التي جاء منها, والتي أصبحت مقرونة بالتخلف. والضفة التي وصل إليها والتي أصبحت مقرونة بالتقدم. ولذلك تغدو العودة في الرحلة نقيضًا للذهاب, فهي الوعي مضافًا إليه العلم المادي وقيم التحضّر التي تجعل من العائد غريبًا في موطنه, مغتربًا عن عاداته البالية وقيم تخلّفه التي أصبح يراها على نحو مفارق, احتجاجي, أو عدواني, رافضًا في كل الأحوال بقاء الأوضاع على ما هي عليه قبل الرحلة.
أما العنصر الثاني, فهو التقابلات الحديّة المقترنة بالرحلة نفسها, أي بحركتها بين نقيضين لا يلتقيان ماديًا, لكنهما يمكن أن يلتقيا معنويًا أو فكريًا, شريطة أن يجذب الطرف الأقوى إليه الطرف الأضعف, فيستوعبه, أو يسهم في تحوّله على مستويات كثيرة. والتحوّل هنا يتم على المستوى الرمزي الذي جعل من حضارة الضفة الأخرى للغرب متمثّلة في امرأة, ومن حضارة الأنا للشرق متمثلة في رجل. والمعنى الرمزي للمرأة قرين الغواية التي تجذب إليها الذكر, فتخرجه من عالمه الساكن الجامد الذي كان يتقوقع فيه إلى عالم آخر أكثر تقدمًا وحركة وحيوية. ولذلك يكثّف التضاد بين الأنثى والذكر التقابلات الأساسية الموجودة في إشكال العلاقة بين الشرق والغرب. فالرحلة إلى الغرب مقرونة دائمًا بالحركة بين متقابلين على مستوى المكان والزمان والقيمة. وتتصاعد هذه الحركة مع الحضور الرمزي للمرأة الذي هو نوع من الغواية التي تجذب بها مباهج الغرب المرتحل من الشرق. ولا تخلو هذه الغواية الرمزية من المعنى الجنسي الذي يتحوّل إلى تمثيل لمبدأ الرغبة, أو شوق الوصال الذي لا يتحقق تجسيدًا للمبدأ نفسه.
طائر من الغرب
وقد تحدث توفيق الحكيم - في (عصفور من الشرق) و(رسائل زهرة العمر) على السواء - عن هذه المباهج بطريقته التي أحالت الغرب إلى كون رومانتيكي مثالي, تتجسّد مباهجه في المرأة التي أحبّها محسن, والتي لم يجد أفضل ما يهديه إليها سوى طائر ينقل إليها على نحو رمزي مشاعره مع الزهور التي تحيط بشرفتها. وحتى عندما يعود محسن (قناع الحكيم) إلى بلده, بعد اكتمال شعائر الرحلة, فإنه يظل معلّقًا بالضفة الأخرى من البحر المتوسط, حيث باريس (فترينة العالم...الواجهة البلورية التي تعرض خلفها عبقرية الدنيا). ويؤدي به هذا التعلق إلى أن يعيش حياتين في وطنه الذي أصبح يرفضه, ويتمنى لو استبدل به نقيضه الذي لا يكفّ عن الحلم به, فيعيش في الظاهر كما يعيش الناس في بلده مصر. أما في الباطن فيعيش في أوربا حيث آلهته الجديدة وعقائده ومثله العليا, الأمر الذي يؤدي إلى الصراع بين الحياة الظاهرة والحياة الباطنة, الصراع الذي يسعى فيه كل طرف إلى أن يسود, وذلك بالقدر الذي تسعى به ثوابت الواقع إلى الدفاع عن ثباتها, ومهاجمة الخطر الذي يهدد الثبات بالتغير, والسكون بالحركة, خصوصًا في تلهّف الذات التي غَوَتْ إلى أن تستبدل بمظاهر التخلف علامات التقدم.
هذا الصراع هو الذي عاشه الدكتور إسماعيل - بطل (قنديل أم هاشم) - بعد عودته من الغرب, إنجلترا, طبيبًا مشهودًا له بالكفاءة في العيون, وذلك بعد أن قضى سبع سنوات (لاحظ دلالة الرقم!) تبدّل فيها حاله, كما لو كان صعد من الأرض السابعة إلى السماء السابعة, فوصل إلى ما لم يكن يدور بخلده, أو يتخيله. ولم يعد ذلك الفتى الذي كان عليه وقار الشيوخ حين صعد سلم الباخرة, بطيء الحركة, غرير النظرة, أكرش, ساذجًا, كل ما فيه ينبئ أنه قروي مستوحش في المدينة. وليس أدل على ذلك من (القبقاب) الذي حمله في أمتعته, فقد سمع من الشيخ رجب أن الوضوء في أوربا متعذّر لاعتياد الناس لبس الأحذية في البيوت, ولم تخل الأمتعة من السراويل الطويلة ذات التكة المحلاوي, وسلة ملأى بالكعك و(المنين) من عمل أمة وفاطمة النبوية. وما إن تصل الباخرة إلى غايتها حتى تبدأ رحلة التحوّل المقترنة بالعبور من الضفة الجنوبية للبحر, حيث الشرق, إلى الضفة الشمالية, حيث الغرب. ويتراكم التحوّل عبر سبع سنوات. وتعود الباخرة من الغرب إلى الشرق, لكن بعد أن تغير إسماعيل تغيرًا جذريًا. فيهبط من سلم الباخرة قفزًا, مرفوع الرأس, متألق الوجه, سمهري القامة, سريع الخطو, واثق النظرة كل ما فيه ينبئ بالتفوّق العلمي الذي حققه, والتغير الحضاري الذي اكتسبه, والتبدّل العميق الذي أصاب شخصيته, كان عفّا فغوى, راقص الفتيات. لكن هذا الهبوط يكافئه صعود لا يقل عنه جدة وطرافة, فقد تعلّم كيف يتذوّق جمال الطبيعة, ويتمتع بغروب الشمس ويتفوّق في علوم الطب, وبخاصة طب العين.
وكانت (ماري) التي تكثّفت فيها صفات الغرب دليله ومرشده, علّمته أن يكون مشجبه هو ذاته, وأن يتمرّد دائمًا على القيود, وأن ينبذ العواطف الشرقية المرذولة لأنها غير علمية وغير منتجة.
ويصل إلى داره فيروّعه الفقر الذي بدت عليه, لم يكن يعلم أن أباه انتكست موارده المالية في سفره, لكنه ظل حريصًا على أن يكمل ابنه تعليمه, وظل إسماعيل يلهو في اسكتلندة مع رفيقته, يأكل البفتيك, وأبوه قعيد الدار, عشاؤه طعمية أو فجل. وتأتي فاطمة, كي تقطر لها أمه من زيت قنديل أم هاشم في عينيها, فقد تعوّدوا على بركة الزيت, ونشأ هو شخصيًا على هذه البركة. ولكن وقد حدث له ما حدث من تحوّل, فإنه يقفز من مكانه كالملسوع, ويوقف يد أمه, ويحل الرباط حول عيني فاطمة, فوجد رمدًا أتلف الجفنين وأضرّ بالمقلة, لو وجد العلاج المهدئ المسكّن لتماثلت للشفاء, ولكنها تسوء بالزيت الحار الكاوي, فيصرخ في أمه, ويقذف بزجاجة الزيت وبركة أم هاشم على السواء.
وتدهش الأسرة التي ظلت طوال عمرها (تكالها على الله وعلى أم هاشم). وتصدم صدمة لا تقل عن صدمته. ويسأل الأب غاضبًا: أهذا ما تعلمه ابنه في بلاد بره? الكفر?! أما هو فيمضي في ثورته, وقد انتابه غضب مجنون عارم. ويخرج إلى الميدان فلا يرى في المصريين المحتشدين فيه سوى جنس سمج ثرثار أقرع أمرد. عار حاف, بوله دم, وبرازه ديدان. يتلقى الصفعة على قفاه الطويل بابتسامة ذليلة تطفح على وجهه, ومصر? قطعة (مبرطشة) من الطين. جمود يقتل كل تقدم, وعدم لا معنى فيه للزمن. وينفلت من الزحام, هائجًا, متوجها إلى الجامع, ويدخله, فيجد المقام يتنفس بدل الهواء أبخرة ثقيلة من عطور البرابرة. والقنديل يرسل شعاعه إعلانًا قائمًا للخرافة والجهل. وحول المقام أناس كالخشب المسندة, وقفوا مشلولين متشبّثين بالأسوار. ويفقد وعيه, ويصيبه حال من الجنون العارم, فيهوي بعصاه على القنديل, فيتحطّم, ويتناثر زجاجه, وتهجّم عليه الجموع, وتضربه الجماهير, ويدوسونه بالأقدام, ويسيل الدم من رأسه على وجهه, وتتمزق ثيابه, ولا ينقذه من الموت, سوى الشيخ درديري الذي يستخلصه من غضب الناس, ويحمله إلى الدار, ويضعونه على الفراش وتجتمع الأسرة حوله تبكي صوابه المفقود.
صراع مع المرض
وعندما يفيق إسماعيل من مرضه العصبي, وتبرأ جراحه, يخرج إلى الأصدقاء والزملاء, ويستعين بأحدث الآلات, ويأخذ في علاج فاطمة التي عالج في أوربا أكثر من مائة حالة مثلها, فلم يخنه التوفيق في واحدة. فلماذا لا ينجح مع فاطمة أيضًا, وسلمت الفتاة إليه نفسها, لا يهمها مرضها بقدر ما يهمها أن تكون بين يديه موضع عنايته. ولكنها لا تشفى, بل تستيقظ ذات صباح وهي تفتح عينيها ولا ترى, فقد انطفأ آخر بصيص تتعزّى عليه, ويجن إسماعيل, ويهرب إلى الميدان, ويظل هاربًا, إلى أن يأتي رمضان, وتحل ليلة القدر.
ويرى إسماعيل النور الذي غاب عنه دهرًا, فيفتح له روحه وقلبه, مدركًا أن لا علم بلا إيمان, وأنه فشل لأن فاطمة لم تؤمن به, وأن إيمانها ببركة السيدة زينب وحدها وكرمها. ويدخل إسماعيل المقام, ممارسًا شعيرة مضادة لشعيرة دخوله التدميري السابقة, فقد أضاء النور قلبه, كما أضاء النور قلب نعيمة العاصية التي تاب الله عليها بعد عصيان سبع سنوات, سبع سنوات موازية للسنوات التي قضاها إسماعيل في الخارج, والتي بدت - في المقام - كأنها سبع سنوات من العصيان الموازي. ويرأف به الشيخ درديري, ويستجيبإلى طلبه في أن يمنحه شيئًا من زيت القنديل, خصوصًا أن الليلة ليلة القدر وليلة الحضرة. ويخرج إسماعيل من المقام, مشحونًا بالنور الذي انطوى عليه, والذي أحال ظلمة روحه إلى ضوء, فيرى كل شيء مختلفًا. ويعود إليه وعي ابن الحي الذي لابدّ أن يقف إلى جوار أهله, محتفيًا بهم كما هم, وبادئًا من واقعهم, غير منكر لما ظلوا يعيشون عليه من معتقدات, أخذ هو يستعيد معنى الإيمان بها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://s-love-m.yoo7.com
 
قنديل أم هاشم " قراءة جديدة " ... د. جابر عصفور
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» يحتفل الشارع السوري ..بطل ناصيف زيتون نجم "ستار أكاديمي 7"
» ("v") كفية و فن قص الصور على الفتوشوب ("v")
» اضافة جديدة كلمات مقدمة ملحملة جلجامش"متجدد"
» لقاء مع الطالبة "رحمة" من داخل الاكاديمي - لمجلة "لها"
» حملة " شعبية " على فايسبوك لإقناع المدرب الوطني بالاحتفاظ بفوزي شاوشي

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
M_LOVE_S :: قسم الادب والفنون :: منتدى الادب والفنون العام-
انتقل الى: